الشيخ محمد رشيد رضا

268

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مرضاته بالاتيان به على الوجه الذي شرعه ، مما يغذي الايمان به ، ويطبع في النفس ملكة المراقبة له ، فيكون له عند كل طهارة بهذه النية والملاحظة - التي شرحنا معناها في بحث نية الوضوء - جذبة إلى حظيرة الكمال المطلق ، تتزكى بها نفسه ، وتعلو بها همته ، وتتقدس بها روحه ، فيصلح بذلك عمله ، وقس على هذه العبادة سائر العبادات . لهذا كان لأولئك المصطفين الأخيار ، من صحابة النبي المختار ، تلك الأعمال والآثار ، والعدل والرحمة والإيثار ، التي لم يعهد البشر مثلها في عصر من الاعصار ، وهذا مما يتجلى به قول جمهور العلماء بوجوب النية للوضوء والغسل وضعف قول من ذهب إلى عدم وجوبها ( الفائدة الرابعة ) اتفاق المؤمنين على أداء هذه الطهارات بكيفية واحدة وأسباب واحدة ، أينما كانوا ، ومهما كثروا وتفرقوا ، وان اتفاق أفراد الأمة في الاعمال ، من أسباب الاتفاق في القلوب ، فكلما كثر ما تتفق به كان اتحادها أقوى ، كما بيناه في موضع آخر ثم نقول ( سادسا ) إن ما احتجوا به من تقصير كثير من المسلمين في الطهارة العامة لا حجة فيه . نعم انهم صاروا يقصرون في النظافة ، ويعدون الطهارة امرا تعبديا لا ينافي القذارة ، ويرون انه يمكن ان يكون الانسان طاهرا وان كان كالجيفة في وسخه ونتنه ، وان يكون نظيفا تام النظافة وهو غير طاهر ، ويعدون كثيرا من الطيب والمائعات المطهرة نجسة كالكحول وأنواع الطيب التي يدخل فيها . ونحن نقول إن الدين الاسلامي حجة على أمثال هؤلاء وليسوا حجة عليه ، الا عند من بجهل حقيقته ، ويتلقاه عنهم لا عن كتابه المنزل ، وسنة نبيه المرسل ، ( ص ) وأكثر هؤلاء المتفرنجين المعترضين يجهلون حقيقته ، ومنهم من لا يعرف من أصوله ولا من فروعه شيئا الا ما يسمعه وبراه من هؤلاء العوام ولا سيما المعممين منهم ، بل يعدون من الاسلام ما يسمعونه من بعض أعدائه ويقرءونه في صحفهم وكتبهم التي ينشرها دعاة النصرانية ، ونحوها ما يكتبه رجال السياسة ، لأنهم يتبعون فيه الهوى ، فكل من هذين الفريقين ينظر إلى كتب الاسلام وإلى حال المسلمين بعين السخط ملتمسا منها ما يمكن له أن يعيبه وينفر منه ، فهو لا يطلب حقيقته ولذلك لا يدركها ، ولا يقول ما ظهر له منها على وجهه ، بل يحرف الكلم عن مواضعه .